الخميس، ١١ يناير ٢٠٠٧

ص 2 المرأة الشرقية فى قصص محمود البدوى

وفى قصة "جسد وفنان

يصف امرأة تجلس فى الأتوبيس على مقعد قريب منــه .. فيقول

" شعرت بنسمة معطرة تهب علىّ من النافذة الصغيرة التى بجوارها ،ورأيت نفسى أنظر إليها ولا أتحول عنها .... رفعت وجهها ونظرت إلىّ .. والتقت عيناى بعينيها ، وكانتا بسامتين ساجيتين ، ثم عادت تنظر من النافذة بعد أن ضمت ملاءتها السوداء على نحرها العاجى ..

كانت جالسة .. وجسمها كله ملفوف فى ملاءتها السوداء ، ولكن الفتنة الطاغية كانت تطل من هذا
الجسم المتدثر بالسواد ، أكثر مما تطل من العينين الدعجاوين ، والوجه المليح القسمات
*****
قصة جسد وفنان ــــــــــ ص . السوادى 162
1948
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· قصة " العذراء والليل

يصف فتاة ركبت قطار الصعيد ، وبعد أن ودعت مودعيها من النافذة ، عادت وجلست مكانها :

" ونظرت إليها وهى جالسة وقد غضت من طرفها ، وعلت وجهها السحابة التى تعترى من يفارق عزيزا .. .. ووجدت شيئا فى الفتاة يجذبنى اليها .. فأخذت أنظر إليها وهى مستغرقة فى المطالعة .. كانت فى سن العشرين ، أو أكثر قليلا .. طويلة القامة ، رشيقة الجسم ، بيضاء اللون .. وقد أثرت فيها شمس الصعيد قليلا فأكسبتها سمرة خفيفة .. وكانت ترتدى جونلة رمادية ، وقميصا أبيض أبرز تقاطيع جسمها كله .. وتلبس جوربا ورديا خفيفا ، وحذاء فى لونه .. وكانت وهى جالسة مستريحة بكتفيها على ظهر المقعد ، قد ضمت ساقيها قليلا فظهر انسجامهما وفتنتهما ..

وكان وجهها الأبيض مستطيلا ، وفى شفتها السفلى اكتناز ظاهر وانثناء بارز فى الذقن الصغيرة .. وكانت أهدابها تلقى الظلال الخفيفة على خديها الموردين .. وقد ابتدأ يعلوهما غبار السفر ..

وكانت تزيح خصلات شعرها الأسود الناعم عن جبينها وتقلب صفحات المجلة بأناملها الجميلة .. وشعرت وأنا أنظر إليها وهى مستغرقة فى المطالعة بالارتياح .. ونسيت كل مالقيته من متاعب .. ونسيت الحرارة والغبار ، وازدحام القطار .. ووقوفى أكثر من ثلاث ساعات على قدمى فى الطرقة .. وقد أقف مثلها حتى يبلغ القطار القاهرة ..

وكنت أود أن أرى عينى هذه الفتاة فى مواجهتى ، ولكنها كانت تنكس رأسها .. ورغم مظاهر العافية والانسجام فى الملبس ، فقد كان وجهها يعلوه شىء من السهوم .. أو الحزن .. كمن مسه شىء من الحياة ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ قصة العذراء والليل ـــــ م . الجيل الجديدة 691954
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


· قصة " العزبة الجديدة "

يصف امرأة الخفير حينما شاهدها صاحب العزبة أول مرة ، وبعد أن واجهته بعينيها الخضراوين ووجهها الصبوح تركته ومضت .. فيقول :

" ورآها وهى تمضى مدبرة .. خفيفة الحركة رشيقة .. وشعرها يتدلى مضفورا وراء ظهرها .. وكان فى عنقها كردان من تراب الكهرمان الأصفر وعلى رأسها منديل مطرز .. وكانت أشبه بالعروس المجلوة ولكن بزينة طبيعية فلا أصباغ ولا الوان .. وكانت تتكلم بحرية .. دون كلفة كما علمتها الطبيعة ودون خجل .. لأنها ســافرة وتعمــل فى الحقل .. واعتــادت على مواجهة الرجــال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصة العزبة الجديدة ـ م . الجيل الجديدة 22111954

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة فى المتجر

كانت تمر أمامه فى صباح كل يوم وهى ذاهبة إلى العمل ، وتجلس أحيانا بجانب دكانه منتظرة افتتاح متجرها وهو مؤتنس ، بجلستها هذه يستقبل رزق اليوم من وجهها الصبيح ..

ويقول :
"كانت فى سن العشرين .. بيضاء سوداء الشعر فى نعومة .. جميلة تقاطيع الوجه .. لها عينان براقتان .. وأنف دقيق وشفتان رقيقتان حالمتان وكانت قامتها رشيقة وفى صوتها نعومة الريفيات وخجلهن .. وان لم تبرح القاهرة قط وتجيد إلى حد البراعة انتقاء ملابسها فى بساطة العاملة التى تحسن اختيار الأشياء بأرخص الأسعار .. " .

قام صاحب المحل بعمل حساب الإيراد اليومى ، اكتشف نقصه بعشرة جنيهات ، فقامت بسدادهم من جيبها وخرجت من المحل وهى ترتعش وعيناها تفوران بالدمع ..

ويقول :
" أصبحت تبغض صاحب المحل ، وكلما اقترب منها .. تحس بأصابعها ترتعش على الآلة الأتوماتيكية كانت عيناها تحدثانها بما فى أعماق نفسه من خساسة .. وكان قد طلب منها ذات مرة أن يوفر عليها مشقة ركوب الأتوبيس فى المساء ويوصلها بسيارته إلى بيتها .. ولكنها رفضت بأدب ....

ومن وقتها بدت الكراهية فى عينيه وأخذ يشيع الاضطراب والذعر فى نفسها ليحطمها ويجعلها تخضع لرغباته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة فى المتجر ــــــــ م . المجلة عدد يولية 1968
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

· قصة " صورة فى الجدار

يصف صديقته الرسامة التى دعته لزيارة مرسمها فى قصر الفنانين بالغورية .. ويقول
" كانت فى ثوب أرجوانى من قطعة واحدة .. مقصوصة الشعر .. عارية الساقين .. تلبس حذاء صيفيا تطل منه أصابع قدميها .. وجعلها هذا شبه حافية " .

وعندما رأته بعد أن فقدت الأمل فى مجيئه

" ضحكت واهتزت شفتاها القرمزيتان .. وبرزت أسنانها فى صفاء اللؤلؤ .. وظهر رضاب شفتيها .. واشتد سواد عينيها .. وبدا فيهما بريق خاطف امتد مع الضحك وتلألأ .."

وعندما طلب منها أن تصعد السلم أمامه لتدله على الطريق

" ظهر الخجل على وجهها واضحا وخفت الصوت .. وتضرجت الوجنات .. وبدا أنها تعانى من خفر طبيعى آسر .. .. فهذه حركة طبيعية من أنثى ناضجة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة صورة فى الجدار ـ م . الثقافة عدد نوفمبر 1977
نشرت على الرابط
http://arabicstory1908.blogspot.com/2006/12/blog-post_5117.html
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

· قصة " الغزال
يصف الراوى ريح الخريف وما تفعله فى النساء ..
فيقول :

" أخذت ريح الخريف تهب خفيفة ندية ، تداعب غصون الأشجار الصغيرة التى تحيط بالمحطة وترفع أطراف الفساتين الحريرية لكواعب من الحسان تناثرن كالورود الجميلة على رصيف محطة " سيدى جابر " فى انتظار القطار ..

وكانت الشمس مصفرة وضوؤها الغارب ينعكس فى نعومة على زجاج النوافذ .. والهواء الرقيق يداعب وجه " ثريا " الوردى فيفتح ثغرها قليلا ويحرك خصلات شعرها بمثل الرقة التى فيها .. ".

وغادرا المحطة وركبا الترام ، ويصفها بعد أن جلست على المقعد ..

فيقول :
" كانت ترتدى فستانا بنيا من قطعة واحدة ، يحتضن قوامها الرشيق ، ويبرز فى جلستها المستقيمة جمال ساقيها ، وامتلاء فخذيها ورقة خصرها واستدارة كتفيها ..

وكان وجهها الطويل أبيض خالص البياض ، فى نعومة كأنه ما وقعت عليه الشمس ولا غطس فى ماء البحر ..

وكان ظل ابتسامة يزحف على وجهها بين لحظة وأخرى ، ويكسر من فتحة عينيها المتألقتين فى سواد ممزوج بالاخضرار الخفيف ، الذى يذهب ويجىء كلما تفتحت النفس وجاشت العاطفة ..

وأخذ يتأملها فى سكون ويملأ عينيه من كل مافيها من حسن .. وكأنه يلامس بيده جبينها وعينيها وخديها وشفتيها .. .. وكانت أشعة الشمس قد سقطت من النافذة القريبة على عينيها ، فأغمضتهما وأبعدت وجهها بحركة خفيفة ، وأزاحت خصلة شعرها وامتلأ وجهها بالسكون ..

ومن خلال هزة للترام تحركت فيها أكتاف الركاب ، أشرق وجهها فى ابتسامة عذبة وظلت الابتسامة ترف حتى دخل الترام محطة الرمل ".

ويصف أم ثريا عندما ذهب لزيارتهما فى البيت ..

فيقول :
" وجاءت الأم وهى سيدة نحيلة فوق الخمسين ، وكانت ترتدى أسود وعلى وجهها الاكتئاب وسلمت عليه بيد ناعمة .. وعيناها الخضراوان تحدقان فيه جيدا كأنها تقارن بين الصورة التى كونتها عنه من حديثها مع ثريا وبين الحقيقة التى أمامها ..

وبدت فى فستانها الأسود عصرية مع وقار سنها ، فقد كانت مقصوصة الشعر متأنقة الزى فى انسجام رائع والحذاء فى لون الفستان .. والزينة خفيفة ولكنها بادية على الشفتين الحمراوين والخدين الأسيلين ..

وكانت عيناها لازالتا تتألقان بالبريق والسواد المائل إلى الاخضرار .. والعدسة الفاحصة فى استرخاء يطل منهما الحنان كله ..

وقد رأى أنها كانت جميلة فى شبابها بل فتنة بين النساء ".
ويصف ثريا وهى تسمع منه كلمات الاطراء ..

فيقول :
" واحمر وجهها قليلا وبدت فى عينيها رقة ساحرة .. وحنان دافق .. ونكست رأسها .. لتخفى كل الانفعالات التى تبدو على وجه العذراء وهى تسمع كلمات الاطراء الخفيفة ..

ويصف أحاسيسه ومشاعره حينما التقيا فى مكان على البحر ..
فيقول :

" وجاءت مع غروب الشمس فى جوف البحر .. وكأنها شمس أخرى تطل على الكون .. أو كأنها القمر الذى يطلع بعد غروب الشمس .. ولم تكن الليلة مقمرة ولكن قمرها كان يشع على البحر الهائج والجمال المحيط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة الغزال ـــــــــــــــــــ م . المصور 771972
نشرت على الرابط
http://arabicstory1908.blogspot.com/2006/12/blog-post_1785.html
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

· قصة " القطار الانسيابى

وعن تأثير صوت المرأة فى الرجل يقول عن زوجة الرجل الذى استضافه فى بيته :

" كانت تستدعى زوجها بالتصفيق الخفيف .. والقرع الرزين على الباب فإذا ذهب إليها حادثته بصوت خافت أو بمجرد الهمس ..

وكان الصوت فيه أنوثة سخية ، كان من تلك الأصوات المغردة الشجية التى كان يستمع إليها من مذيعة إنجليزية اختبل بصوتها فى لندن .. وكان حريصا على سماعها كل صباح .. وكانت تحرك فيه عواطف جياشة يعجب لها ويحس بعدها بالنشاط والقوة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة القطار الانسيابى ـ م . الثقافة عدد نوفمبر 1974
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· قصة " الرجل الأعزل

يصف سميرة هانم وهى جالسة تحت أشعة الشمس الغاربة فى حديقة منزلها بضاحية مصر الجديدة ..

فيقول :
" وكان الشعاع يتجمع عند خط الأفق ويكون لونا أرجوانيا أخاذا ، وكانت الصحراء ساكنة وهواء الصيف الرضى فى تلك الساعة من النهار يبعث السرور إلى النفس ، فأخذت سميرة هانم تستمتع بما حولها من جمال وفتنة ..

وكانت ترتدى فستانا بنى اللون قصير الأكمام مفتوح العروة .. وتضع فى رجليها حذاء مكشوفا برزت منه أصابع قدميها .. وقد طليت أظافرها بالأحمر .. وكانت لاتلبس جوربا فظهرت الساق العبلى فى كامل فتنتها كأنما صبها مثال قادر ..

وكانت عارية الرأس فانسدل شعرها على كتفيها وغطى جيدها .. وكانت وهى جالسة على كرسيها الطويل قد مدت ساقيها .. واضطجعت إلى الوراء قليلا .. وأغمضت عينيها نصف إغماضة كأنها تحلم " ..

ويصف الراوى حال المدرس حينما كان يأتى إلى البيت لإعطاء صغيرها الدرس :

" كان كلما وقع نظره عليها يحس برجفة شديدة تسرى فى بدنه ، فيجلس على كرسيه فى غرفة المكتب وأمامه ابنها وهو شارد صامت ، فإذا شرب القهوة رجع إلى نفسه ويبدأ الدرس ..

وكان يراها دائما فى ثياب بسيطة تكشف عن الذراعين والنحر ، وتنحسر عن الساقين ، فيحس بسياط حادة تلهب ظهره .. ويشعر بقلبه يضطرب وبحلقه يجف ..

كانت قصيرة القامة ، ريانة العود فى الثالثة والأربعين من عمرها ، خمرية لون البشرة ، سوداء العينين يتألق فيهما بريق آسر وهو بريق الرغبة المنطلقة من الجسم الممتلىء حيوية وفتنة ..

وكان شعرها أسود غزيرا .. ووجهها مستديرا .. وأنفها دقيقا وفمها بارز الثنايا .. وهنا تجتمع كل فتنتها " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصة الرجل الاعزل ـــ م . قصص للجميع عدد يونيو 1950


====================================

ص 1 المرأة اليابانية فى قصص محمود البدوى

الأدب المصرى فى اليابان
الصورة البصرية والشمية والسمعية
للمرأة اليابانية


اعداد : على عبد اللطيف
و ليلى محمود البدوى


شغلت المرأة جانبا كبيرا من فكر الراحل أديب مصر الكبير محمود البدوى ، وحظيت ابداعاته بالنصيب الوافر منها ، فقدم لنا نمـاذج مختلفة منها من جميـع البـلاد التى زارها وطـاف وجال فيها .

فالمرأة الجميلة " كما كان يقول "
تهز مشاعره وتزلزل كيانه ، ويحب أن يرى الجمال فى الطبيعة وفى الإنسان . وان دورالمرأة هو دور آدم من حواء .. دور الفنان الذى يشعر دوما بالحرمان ، وان كان قد عاش مع نساء الأرض جميعا ، ومن منبع الحرمان يكتب الأديب ، ولو ارتوى ما كتب سطرا واحدا .

وقد انعكس أثر ذلك فى قصصه واستخدم صورا رسمها بقلمه ، يستفز فيها الحواس البشرية خلال صور بصرية وسمعية وشمية صور فيها أوضاع شخصياته فى اليابان منذ زيارته لها فى سنة 1957

ففى قصة " الليل والنهار " يقول الراوى :

" فى حى جنزا حينما دقت الساعة السادسة صباحا . . . . . أخذت المدينة الضخمة تستيقظ بكل ما فيها من حركة وحيوية دافقة وسرته هذه الحركة فاتخذ جانب الرصيف ليتفادى السيارات المنطلقة كالسهام واختلط مع جموع الناس الوافدة على قلب العاصمة ..

النساء والرجال من كل الأعمار فى الكومينو والزى الأوربى ينطلقون مع إشراق الشمس إلى عملهم وعلى وجوههم بسمة الصباح .. وكان يميز أقدام الفتيات وراءه بحركتهن السريعة الرشيقة فإذا اجتزنه بدت السيقان العارية تتألق تحت المعاطف الأرجوانية . . . . . وفى أثناء تجواله اقترب من ملهى « الحريم » ... وشاهد بجوار أبواب الملهى المغلقة وتحت جداره صفا من ماسحى الأحذية من الجنسين رجالا ونساء وراء صناديقهم الزاهية ..

وكان بطل القصة يراهم لأول مرة فسر لمنظرهم الغريب وكان من بينهم فتيات جميلات جدا فزاد تعجبه .. وظل ينقل عينيه من واحدة إلى أخرى كأنه يبحث عن ممثلة تصلح لدور فى رواية سيقوم بإخراجها .. إلى أن استقر بصره على فتاة فى العشرين ربيعا شاقه منظرها فتقدم إليها وراحت تتأمله وراء أهدابها الطويلة وعلى خديها الاحمرار حين وضع رجله على الصندوق .. وكانت ترتدى حرملة زرقاء وتعصب رأسها بمنديل فبدت له كفلاحة مصرية وبدأت فى عملها تحرك الفرشاة برشاقة وعيناها على طفل يحبو بجوارها "


ويقول عن منظر النساء فى لباس الكومينو ، فى قصة " التفاحة " :

" وكان منظر النساء فى لباس الكومينو يستهوى النفس ويأخذ بمجامع القلب .. ورأيت فتاة يابانية فى زى أوروبى تقف على ناصية تحت مصباح أزرق وقفة رائعة ونظرها يتجه إلى بالون كبير مضىء يدور فوق إحدى السطوح !

ورأيت شابا على بعد امتار منها يلتقط لها صورة .. فوقفت أتأملها ..

كانت الفتاة رائعة الحسن حقا ومن نوع جديد شديد الإثارة .. لم تكن تسرف فى زينتها ككل اليابانيات .. بل كانت متأنقة فى جمال طبيعى وفتنة فى العينين الذابلتين وفى الشعر الأسود الشديد اللمعان وكانت تسريحتها يابانية جميلة ووجهها أبيض نضيرا ..

وكانت ترتدى جونلة وصديرا من الصوف البنى .. ينسجم انسجاما رائعا على جسمها الرشيق .. ووقفت أتأملها والمصور يلتقط لها الصورة ثم حركت قدميها الصغيرتين ومضت فى الشارع وحمل المصور آلته ومضى وراءها ..

وتركتها فى زحمة الناس وأنا مأخوذ بسحر جمالها .. "


وفى قصته " ليلة فى طوكيو " يقول :

" والمرأة لاتزال تلبس الكومينو .. وتنحنى فى الشارع للسيدة الأكبر منها سنًا .. وتحمل طفلها على ظهرها بطريقة بديعة .. وتتحدث بصوت ناعم كزقزقة العصافير ..

وكعاملة فى المتاجر الكبرى ، والفنادق ، والمطاعم ، وقاعات الشاى تسيل رقة وعذوبة .. وكأنها تخرجت فى مدرسة أعدتها لذلك العمل ..

وتمشى الوجى فى الطريق .. يعنى بخطوات قصيرة .. كظاهرة مميزة على النعومة والرقة ، وهما من متطلبات الأنثى ..

ولكنك تشاهد إلى جانب هذه من تلبس الزى الأوربى الخالص .. وتقود السيارة بسرعة 100 كيلو فى الساعة ..

والجيل الحديث كله من النساء والرجال يتحدث الإنجليزية .. أما كبار السن فندر منهم من يعرفها .. إلا إذا كان يشتغل بالتدريس ومن أساتذة الجامعات " ..

ويقول الراوى فى هذه القصة ، وهو طبيب مصرى ، حينما دخل لاسعاف مريضة فى مرض الموت ، حتى يأتى الطبيب اليابانى :

" وكشفت الفتاة عن صدر زميلتها .. وشعرت بالخجل وأنا أرى هذا الجمال الآسر .. سبحان من أعطى المرأة اليابانية كل هذه النعومة وهذه الأنوثة وهذه الفتنة وسلبها من الرجل ..

وقفت خجلا مبهورا والفتاة تكشف فتنة الأنثى فى منبع الأمومة والرضاعة والحنان ".

وفى قصته " الجرس " يقول الراوى أنه دخل أحد المتاجر :

" وكان فى المحل أكثر من عشرين فتاة من العاملات فى سن واحدة وعلى مستوى واحد من الجمال الفتان ..

وكان منظرهن ببشرتهن الناصعة البياض فى المرايل الزرقاء والشعر الأسود المعقوص على الطريقة اليابانية .. يأخذ بلب السائح أكثر من النفائس التى فى المتجر .. "

وفى قصة " اللؤلؤة " دعى الراوى إلى حفلة شاى خاصة فى نادى الكتاب بمدينة طوكيو ، وأثناء انشغاله بالحديث مع أحد الأدباء قدمت زوجته .. ويقول :

" وكانت السيدة سوجا ترتدى جاكتة واسعة الأكمام .. فى زى يابانى خالص .. وكانت رقيقة القد متألقة الوجه فائقة الجمال ويتوج رأسها باقة من الشعر الأسود المتموج الشديد اللمعان .. وكان فمها صغيرا .. وأسنانها صغيرة وفى صفاء اللؤلؤ .. وفى عينيها البراقة تلك الضمة الصغيرة التى تتميز بها اليابانيات على سائر البشر ..

وراحت وجاءت فى القاعة الصغيرة كالطاووس الجميل وهى تمسك بآلة التصوير فى يدها .. ثم وقفت أخيرا بجانبنا .. وجذب انتباهى إليها .. صفاء عينيها ووجه لم أر له شبيها فى مدينة طوكيو كلها .. . . .

وكانت السيدة سوجا مسرورة فى الواقع لكونى أديبا مثل زوجها أداشى وكانت تخص هذا بكل مشاعرها فى كل لحظة .. محياها المتألق وعنقها الرقيق.. ويداها الناحلتان .. ودماثتها وحنانها .. كل هذه الأشياء تتجه إلى زوجها وأدركت أنها تعبده وتنظر إليه كعبقرى عديم النظير . . . .

وخرجت منها بأن المستر اداشى إنسان يصرخ بالعذاب فى مدينة ضخمة تعصر روحه وتقف بجانبه زوجة جميلة تناصره بحنانها وتساعده على المضى فى طريقه برغم الفقر وانقطاع السبل " .

ويصف الراوى العاملات فى النزل فى قصة " الدليل " وقد ذهب إليه برفقة الدليل .. فيقول :

" وفى صباح اليوم التالى .. قرعنا باب هذا النزل .. وفتحت لنا فتاة ترتدى الكومينوالباب .. وبعد أن أحنت رأسها مرحبة .. قادتنا إلى الداخل على ممشى طويل مفروش بالحصير . . . . .

وقد خلعت حذائى على الباب الخارجى ولبست خفا يابانيا .. وجلست على حشية فى قاعة الشاى .. وحولى ثلاث فتيات يقدمن لى الشاى والفطائر ..

وكان فى الطابق الذى أقيم فيه سرب من الحسان العاملات يلبسن الكومينو الأزرق والمزركش ..

ولقد عرفت أيهن التى تقدم الشاى وأيهن التى تساعد النزيل على خلع ولبس ملابسه.. وأيهن التى تقوم على الخدمة فى المغطس ..

ولم أكن أدرى لماذا توجد المرأة بكثرة فى فنادق اليابان ونزلها .. وأدركت أنها تزاول كل الأعمال السهلة وتترك الأعمال الشاقة للرجل ..

وكانت مديرة النزل سيدة أيضا فى حوالى الأربعين من عمرها .. وتجلس على حشية فى المدخل .. وتحرك كل هؤلاء العاملات بابتسامتها ومجرد إيماءة من رأسها .

وكنت أراها .. لا تبرح مكانها إلا قليلا .. وكانت أكثر لطفا من أية سيدة يابانية وقع عليها بصرى .. . . . ولا تزال نضيرة وأجمل من كل عروس .. ووجهها يضئ كالشمع .. وأحسبه فى مثل نعومته . . . . .

وكانت تحيينى على الطريقة اليابانية .. ومن عينيها يطل البشر والإيناس. . . . .


وكنت لا أحب أن تأتى الفتاة القائمة على خدمتى إلى غرفتى فى الصباح حسب العادة اليابانية لتساعدنى على ارتداء ملابسى أو تربط لى ياقة رقبتى وأقاوم هذا والفتاة العاملة تضحك ..

والظاهر أنها حدثت السيدة المديرة بما حدث فجاءت هذه إلى وهى تبتسم وكانت تكتفى بربط الكرافتة .. وضم سترتى على صدرى .. وكنت أحادثها فى هذه الفترة وأشعر بأنفاسها على بعد شبر واحد منى .. وألمس نعومة بشرتها وأنظر إلى أصابعها العاجية الدقيقة .. وهى تتحرك على عاتقى .. وشعرها الأسود الغزير يتموج فوق رأسها .. ويكاد يلمس شفتى ..

كنت أشكرها وأتناول يدها .. بعد هذه المساعدة وأقبلها وكانت تقابل هذه القبلة على يدها بالفرح الذى يغمر القلب .
ولاحظت ذات صباح .. وهى تقترب منى وتربط لى ربطة العنق أن فى وجهها شيئا ولما دققت النظر تيقنت أنها تضع ما يشبه القناع من البلاستيك على وجهها وقد غطته ببراعة بطبقة من الدهون والمساحيق ليظهر طبيعيا .. وأبعدت عينى عنها حتى لا تلاحظ أنى أتفحصها .. ولكنى شغلت بما رأيت.. وددت أن أتأكد منه وقد أكد لى الأمر .. عندما رأيتها ذات ليلة فى غرفتها تخلع هذا القناع .. وكان الستر منزاحا قليلا .. فلما استدارت لترده ابتعدت مسرعا حتى لا يقع بصرها علىّ .. ولكننى رأيت الحروق تشوه خدها الأيمن كله .. وأسفت لها .. وازداد تعلقى بها . . . . .

خمنت أنها أصيبت فى غارة على طوكيو .. فى الحرب الأخيرة .. وقد تأكد لى ذلك دون أن أوجه سؤالا مباشرا لأحد بعينه . . . . .

لقد مزقت الحرب أوصالهم .. ولكنها لم تقتل روحهم .. ولم تغير شيئا من فتوتهم الجبارة "

ويقول الراوى فى قصة " وقفة فى جنزا " :

" ولم أكن وأنا أضرب فى قلب الحى منذ ساعة أدرى السبب الذى مال بى إلى ملعب القمار .. وربطنى بسلسلة فى هذه الآلة .. لعله السأم .. أو القلق أو الوحدة المرة ..
لم أكن أعرف أحدا فى هذه المدينة الكبيرة ..
وأخذت كالسمكة الصغيرة التى تسبح فى المحيط .. أتحرك .. حتى وقعت فى الشبكة . . . . . فتلفت فوجدت حسناء يابانية تقف ورائى .. وأفسحت لها المكان .. واحتلت مكانى .. وحركت الأكرة برفق .. فتساقطت الينات .. وابتسمت وهى تنظر إلى فى وداعة . . . . . فظلت ترمقنى بعينين باسمتين وأنا أتفحصها من أنفها لقدميها .. كانت جميلة الوجه .. رقيقة المشاعر وتتكلم الإنجليزية بطلاقة . . . . .

ورأيت إنسانا جميلا ينتشلنى من وحدتى القاتلة فى المدينة الكبيرة وخفت أن تفلت منى "

وبعد أن اصطحبها الراوى إلى مكان هادىء .. يقول :

وجلسنا فى الزاوية الشرقية نستمع إلى موسيقى خفيفة فى جو مشبع بالشاعرية ويبعث على النشوة ويحرك القلب ..
ــ ما هو عملك فى طوكيو ..
ــ أمشى فى الليل ..
وارتجف بدنى .. الحرفة نفسها هزتنى .. ولكن جمال الفتاة أسرنى ... وكنت مأخوذا بشىء جديد لا أستطيع رده .. كنت منجذبا إلى عينيها ولون شفتيها وتاج الشعر الذى يغطى رأسها الصغير .. وبشرة صافية فى لون الحليب الممزوج بالشهد .. ولم أر فى حياتى شفتين فى لون الكريز يتنديان بالرضاب من أقل انفعال كشفتيها .. "

وفى قصة " الصورة الناقصة " يصف الراوىفتاة الحان فيقول :

" ووجدت نفسى أجلس أمام واحدة من الفتيات .. ولعلها جذبتنى بقوة المغناطيس الذى فى عينيها وكانت ترتدى صديرا من الصوف الرمادى .. وبنطلونا أحمر .. كأى فتاة أمريكية من برودواى .. وجلست أنظر إلى عينيها برقة .. كانت وادعة .. ولا يبدو عليها أنها من فتيات البارات .. وأدركت أننى لهذه الوداعة اخترتها . . الغريب يلجأ دائما إلى منطقة الأمان . . . . .

لم أر فتاة فى مثل جمالها .. لا فى بوخارست ولا فى وارسو .. ولا فى برلين .. ولا فى بودابست .. ولا فى استنبول .. ولا فى هونج كونج . . . . .

وتعجبت لوجودها فى هذا المكان .. وأدركنى العجب أكثر .. منذ محادثتها فقد بدت على ثقافة عالية ولم تكن تدفعنى إلى الشراب أو تطلب لى المزيد منه كفتيات الحانات .. بل كانت تتركنى بكل حريتى "

ويصف فتاة أخرى من الحان حينما جاءت إليه فى قصة " فتاة من جنزا " فيقول :

" وكان الكومينو يضم جسما دقيق التكوين بالغ الحد فى الدقة والوجه الصغير .. فيه شحوب العذراء التى تسهر الليل قبل الأوان ..
وكان أنفها الدقيق يكاد يلامس أنفى .. وهى تسألنى فى صوت خافت بإنجليزية سليمة . . . . .

وعن فتيات الليل يقول فى قصة " حكاية من طوكيو " :

" ورأيت سربا من الحسناوات اليابانيات من بنات الليل .. وهن فى حفل من الزينة .. وكانت وجوههن جميعا ... كأنها مطلية بالكريم الأبيض .. اللامع .. وكن مستغرقات تحت البواكى وملتصقات بالحائط .. وكن فى معاطف من الفراء من كل الألوان .. "

ويصف احداهن فيقول :

" وكانت متوسطة الطول بيضاء .. تقص شعرها الاجارسون وترتدى فستانا من قطعة واحدة قصيرا إلى الركبة .. ومنسجما مع قوامها الجميل ..

وكانت عيناها سوداوين .. ووجهها طويلا وعلى خدها الأيمن شامة سوداء .. كغرسة دبوس كبير تركت الخد يدمى .. "
================================
أسماء قصص محمود البدوى المشار إليها وتاريخ نشرها :
وهى منشورة على الرابط
http://stories1908.blogspot.com/2006/12/blog-post_4655.html
* "الصورة الناقصة " نشرت فى ص. الشعب 16/11/1958
*" الحقيبة " نشرت فى ص. الشعب 28/4/1958 * " الجرس " نشرت فى ص. الشعب 26/5/1958 * " حكاية من طوكيو " نشرت فى م. الجيل 12/1/1959 * " اللؤلؤة " نشرت فى ص. المساء 8/4/1960 * " الدليل " نشرت فى م. الجيل 29/8/1960
* " التفاحة " نشرت فى مجموعة غرفة على السطح 1960
* " فتاة من جنزا " نشرت فى م. آخر ساعة 21/6/1961 * " الليل والنهار " نشرت فى م . آخر ساعة 16/5/1961
*" وقفة فى جنزا " نشرت فى ص . التعاون 17/4/1966
* " ليلة فى طوكيو " نشرت فى صحيفة أخبار اليوم 30/6/1984
وأعيد نشر القصص فى كتاب " قصص من اليابا ن " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر ط 2001
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فى هذا الموضوع " صورة المرأة البصرية والشمية والسمعية "
يبين أن محمود البدوى سبق الاتجاه الأوربى الحديث الذى يهتم بإرضاء الحواس البشرية ومخاطبة البصر والسمع من خلال صور تستفز البهجة والمتعة الحسية والذى هلل له الغرب ورأوه ثورة تخلص النقد من الاغراق فى المضامين والدلالات، ذلك الإغراق الذى بدأ منذ ارسطو واستمر يفرض شبحه على النقد الغربى حتى العصر الحديث.وهذا الاتجاه الحسى كان مسيطرا على البلاغة العربية فى عصورها القديمة التى ركزت على الصور الشكلية من تشبيه واستعارة ومحسنات لفظية وموسيقية ، ومن اهتمام بالكلمة والجملة فى حالة التقديم والتأخير وفى حالة الانشائية والخبرية.ولا أقول أن محمود البدوى كان متنبها لهذا الاتجاه عند نقاد الحداثة فى الغرب ، لأن هذا الاتجاه ظهر أخيرا، والدليل على ذلك تاريخ نشر القصة التى نقلت منها هذه الصورة ، وذلك منذ قصته الأولى التى نشرت فى عام 1935. ولذلك فإن محمود البدوى يعد رائدا للاتجاه الوصفى فى مجال القصة القصيرة فى مصر
وكلما يقرأ الناقد قصة للبدوى، فإنه يكتشف الجديد والريادة، لأن قصته كالماسة الثمينة التى تشع الوانا عديدة يصطاد منها الناقد ما يستطيع من شعاع بحسب قدرته وموهبته